خليل الصفدي

394

أعيان العصر وأعوان النصر

وكانت له ابنة يحبها حبا زاد حدّه ، ويودّ أن يفرش لها إذا خطت دون الأرض خدّه ، لا يزال قلبه بها معلّقا ، وخدّه إذا غاب عنها بالدموع مخلّقا ، يجلس وهي في صدره ، ويعيذها من الزمان ، ولما خرج من صفد ضمّها إلى صدره وودّعها ، وكاد من الرّقة عليها أن يخرج كبده ويقطّعها ، وأذرى الدموع دماء ، وأجراها من الحرقة عندما فارقها عندما ، وكان ذلك آخر عهدها به ، ولم تشاهده والسيف قد جدّ في تمزيق إهابه . وقلت أنا فيه : ( البسيط ) لا تقرب الشّرّ إذا ما بدا * فهو لنار الموت حرّاق فالسّيف قد فرّق الطنبغا * ولم يفد برناق ترياق 330 - الطنبغا « 1 » علاء الدين الجاولي ، هو مملوك ابن باخل « 2 » . كان عند الأمير علم الدين سنجر الجاولي « 3 » دوادارا لما كان في غزة أولا نائبا ، وكان يحبّه ويدنيه ويقرّبه ، ويبالغ في الإنعام عليه والإحسان إليه . وكان إقطاعه عنده يعمل عشرين ألف درهم خارجا عمّا يبرّه ويعطيه ، ويأخذه هو من منفوع الدوادارية . قال لي : امتدحت الأمين الأمير مرة بقصيدة كانت ستين بيتا ، فأمر لي لكل بيت بدينار ، وقال لي : لو كانت مائة كانت مائة . ولما شنّع على الجاولي أن إقطاعات مماليكه ثلاثون ألفا وعشرون ألفا ، رآك الأخباز ، وأعطى الطنبغا المذكور إقطاعا دون ما كان بيده أولا ، فتركه ومضى إلى مصر بغير رضى الأمير علم الدين ، فراعى الناس خاطر مخدومه ، ولم يجسر أحد على أن يستخدمه ، فأقام في مصر مدة زمانية ، ينفق من حاصله ، ثم حضر إلى صفد ، فأقبل عليه الحاج أرقطاي نائبها إقبالا كثيرا ، وكتب له مربّعة بإقطاع ، وتوجّه بها إلى مصر ، فخرج عنه فعاد ، وجاء إلى دمشق ، وامتدح الأمير سيف الدين تنكز ، ومدح ناصر الدين الدوادار وناصر الدين الخزندار بقصيدة أولها :

--> ( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 1 / 407 ، والوافي بالوفيات : 9 / 366 ، وفوات الوفيات : 1 / 205 ، والمنهل الصافي : 3 / 71 . ( 2 ) مملوك بن باخل هو : عماد الدين بن باخل . ( 3 ) علم الدين سنجر الجاولي هو : سنجر بن عبد اللّه الجاولي ، أبو سعيد ، المتوفى في سنة 745 ه . ( انظر : ذيول العبر : 247 ) .